محمد جواد مغنية

64

في ظلال نهج البلاغة

إلى اللَّه بإذنه وسراجا منيرا » . ( سيرته القصد ، وسنته الرشد ) الاعتدال في كل شيء ، والكمال البشري في كل وصف ، والاخلاص في القول والعمل ( وكلامه الفصل ، وحكمه العدل ) . لا محاباة ولا شهوات . وتسأل : اشتهر عن النبي ( ص ) أنه قال : « انكم تختصمون إليّ ، وانما أنا بشر ، ولعل بعضكم أن يكون ألحن - أي أبين - بحجته من بعض فأحسب انه صادق فأقضي له ، فإني أقضي بينكم على نحو ما أسمع ، فمن قضيت له من حق أخيه شيئا فلا يأخذه ، فإنما اقتطع له قطعة من النار يطوق بها من سبع أرضين » . ومعنى هذا انه ( ص ) قد يقضي بغير الواقع ، فكيف يكون حكمه العدل . والجواب عن هذا السؤال موجود في قول النبي ( ص ) : وهو : « انما أنا بشر . . أقضي على نحو ما أسمع . . فأحسبه صادقا » . أي ان النبي حين يقضي بين اثنين لا ينزل عليه وحي من السماء بأن هذا هو الحق ، وذاك باطل ، وانما يعتمد في الحكم والفصل بين الناس على ما قرره سبحانه لكل قاض من الأصول كالبينات والأيمان وغيرهما مما يوجب العلم والوثوق ، كما قال : « فأحسبه صادقا » . ومعنى هذا ان العدل في الحكم يرتبط بالأصول المقررة ، وان العالم العادل من عرفها والتزم بها ، وان من تاه عنها فهو جائر أو جاهل . ( أرسله ) الضمير لمحمد ( ص ) ( على حين فترة ) بينه وبين من سبقه ( من الرسل ) . وتقدم مثله بالنص الحرفي في أول الخطبة 87 ( وهفوة عن العمل ) أي انحراف الناس عن دين اللَّه وشريعته ( وغباوة من الأمم ) . جهل وعماء ( اعملوا رحمكم اللَّه على أعلام بينة ) . المراد بالأعلام البينة هنا أئمة الهدى ، أو أحكام اللَّه سبحانه الظاهرة في كتابه وسنة نبيه ، والمعنى واحد ، وهو وجوب المبادرة إلى العمل بعد أن قامت الحجة ، وانقطعت المعذرة . ( فالطريق ) إلى مرضاته تعالى ( نهج ) واضح ( يدعو إلى دار السلام ) والأمان من المخاوف والمهالك ، وطوبى لمن سلكه ، والويل لمن تاه عنه ، وقال بعض المتصوفة : « الطريق للَّه ، لا اليه » . ولعله أراد أن العلم باللَّه يكون بالاتصال المباشر لا بالواسطة ، وهذا الاتصال لا يكون إلا لمن فتح اللَّه عليه ( وأنتم في دار مستعتب على مهل وفراغ ) . تستطيعون في دنياكم هذه أن تطلبوا الرضا منه تعالى بطاعته والعمل بأمره ونهيه ، وهو سبحانه يستجيب ويثيب ، انه